القاضي سعيد القمي

137

شرح توحيد الصدوق

قال الأزهري « 1 » : المعروف الكثير انّ « الغابر » بمعنى الباقي فيصير المعنى انّ بقائه سبحانه هو الذي يحدّد وجود ما سواه ويجعل كلّ واحد في درجته ويعيّن له مرتبة وجوده إذ ببقائه يستبقي كلّ شيء على حسب استعداده ، بدوامه دامت السّماوات والأرضون . وفي الخبر : « لا يتقدّم متقدّم إلّا باللّه ولا يتأخّر متأخر الّا به » . والمثال الحسّي لذلك - وإن كان هو مقدّسا عن الأمثال والأشباه - الخيط الممتدّ المحاذي لألف خردلة متتالية ، فانّه يعيّن درجات وجود كلّ واحد من الخرادل واللّه سبحانه محيط بالأشياء وليس فيه عزّ شأنه امتداد وانبساط ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا . وأمّا على النسخة الثانية ، فالمعنى انّ بقائه عبارة عن تجديده الخلق في كلّ آن لأنّه كل يوم في شأن « 2 » ولا يتكرّر الشأن في آنين « 3 » . بيان ذلك : انّ العالم منذ ابتدأ من المبدأ الأوّل فهو في الحركة الذاتيّة والسّيلان السّرمديّ إلى أن يصل إلى « 4 » جوار اللّه ويعود إلى ما بدأ منه « أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ » . والتبيان العلميّ لذلك ، أنّ للعالم جهتين : جهة إلى نفسه وهو موطن الهلاك والزّوال ومبدأ البطلان والاضمحلال ؛ وجهة إلى جاعله القيّوم الّذي منه استنار كلّ موجود وبه ظهر الوجود ، فله في كلّ آن عدم من نفسه ووجود من فاعله ولولا ذلك لاستغنى هو عن جاعله . ولعمري انّ إجراء هذا السّيلان في الجسمانيّات ظاهر لكن يشكل الأمر في الأمور العالية الّا أن يقال بالحركة المعنوية . وفهم ذلك عسير جدّا ولهذا ترى

--> ( 1 ) . وهو أبو منصور محمّد من علماء اللّغة ، في كتاب « التهذيب » . ( 2 ) . مستفاد من سورة الرحمن : 29 . ( 3 ) . في آنين : - م د . ( 4 ) . يصل إلى : يستقرّ في د .